نبيل فهمي أمينًا عامًا للجامعة العربية، خلفًا لـ أحمد أبو الغيط
اعتمد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، خلال اجتماعه اليوم في المملكة الأردنية الهاشمية، اختيار وزير خارجية مصر الأسبق نبيل فهمي أمينًا عامًا للجامعة العربية، خلفًا لـ أحمد أبو الغيط، على أن يتولى مهام منصبه رسميًا اعتبارًا من الاول من يوليو المقبل، في خطوة تعكس توجهًا عربيًا نحو إسناد قيادة المؤسسة العربية لشخصية تمتلك خبرة دبلوماسية ممتدة، في وقت تواجه فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا على المستويين الإقليمي والدولي.
ويأتي اختيار فهمي في لحظة تشهد فيها المنطقة العربية تحولات متسارعة، تتداخل فيها الأزمات الممتدة مع إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية، بما يفرض تحديات غير مسبوقة على منظومة العمل العربي المشترك، ويضع الجامعة العربية أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على مواكبة هذه التحولات، وتعزيز دورها كإطار جامع للتنسيق العربي في بيئة سياسية شديدة السيولة.
وفي هذا السياق، يبرز اسم نبيل فهمي باعتباره أحد أبرز الدبلوماسيين المصريين خلال العقود الأخيرة، لما يمتلكه من خبرة عملية طويلة في إدارة العلاقات الدولية، إلى جانب حضوره الأكاديمي والفكري في تحليل التحولات العالمية والإقليمية.
يمثل السفير نبيل فهمي نموذجًا للدبلوماسي الذي تشكل وعيه السياسي مبكرًا داخل بيئة ارتبطت مباشرة بصناعة القرار الخارجي المصري. وُلد في 5 يناير 1951، ونشأ داخل عائلة لعبت دورًا بارزًا في الدبلوماسية المصرية، فهو نجل إسماعيل فهمي، وزير الخارجية المصري الأسبق، وأحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بمحطات مفصلية في السياسة الخارجية المصرية. هذا الإرث العائلي لم يكن مجرد خلفية شخصية، بل أسهم في تكوين رؤية مبكرة لديه تجاه طبيعة العلاقات الدولية، وتعقيدات التوازنات الإقليمية، وكيفية إدارة المصالح في بيئة دولية شديدة الحساسية.
اقرأ أيضاً
على مدار عقود، تدرج نبيل فهمي في عدد من المناصب داخل وزارة الخارجية المصرية، مكتسبًا خبرة تراكمية في ملفات متعددة، شملت العلاقات الثنائية، والقضايا الإقليمية، والتعامل مع القوى الدولية الكبرى. وقد عُرف داخل الأوساط الدبلوماسية بقدرته على الجمع بين الانضباط المؤسسي، والقراءة الدقيقة للتحولات السياسية، وهو ما ساعده على بناء مسيرة مهنية اتسمت بالاستمرارية والتدرج الطبيعي داخل المؤسسة الدبلوماسية.
تُعد فترة توليه منصب سفير مصر لدى الولايات المتحدة بين عامي 1999 و2008 واحدة من أبرز المحطات في مسيرته المهنية، بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي شهدت تحولات عالمية كبرى، وفي مقدمتها أحداث 11 سبتمبر 2001 وما أعقبها من تغييرات عميقة في أولويات السياسة الأمريكية.
وخلال هذه المرحلة، أدار فهمي علاقات مصر مع واشنطن في وقت اتسم بحساسية شديدة، سواء على مستوى قضايا الأمن الإقليمي أو التحولات المرتبطة بالحرب على الإرهاب وإعادة تشكيل أولويات الشرق الأوسط، ما أكسبه خبرة مباشرة في التعامل مع واحدة من أكثر دوائر صنع القرار تأثيرًا في العالم.

بعد انتهاء مهمته في واشنطن، انتقل نبيل فهمي إلى المجال الأكاديمي، حيث تولى منصب العميد المؤسس لكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بين عامي 2009 و2013، وأسهم في تأسيس نموذج أكاديمي يجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي في العلاقات الدولية.
وقد منحت هذه المرحلة فهمي مساحة أوسع للتأمل والتحليل وإعادة قراءة التحولات الدولية بعيدًا عن الضغوط التنفيذية اليومية، وهو ما انعكس على رؤيته السياسية والفكرية لاحقًا.
في يوليو 2013، تولى نبيل فهمي منصب وزير الخارجية في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، ثم استمر في منصبه خلال حكومة المهندس إبراهيم محلب حتى عام 2014، في مرحلة بالغة الحساسية بالنسبة للسياسة الخارجية المصرية.
وخلال تلك الفترة، عمل على إعادة ترتيب أولويات التحرك الخارجي المصري، مع التركيز على تنويع الشراكات الدولية، والحفاظ على توازن العلاقات مع القوى الكبرى، بما يضمن هامش حركة أوسع للدبلوماسية المصرية وسط بيئة إقليمية مضطربة.
ينتمي نبيل فهمي إلى المدرسة الدبلوماسية الكلاسيكية التي تعطي الأولوية للعمل المؤسسي، وتتبنى مقاربة تقوم على التوازن والواقعية السياسية، بعيدًا عن الاندفاع أو التصعيد الخطابي. ويُعرف عنه الميل إلى الحسابات الدقيقة، وإدارة الملفات المعقدة عبر مسارات تدريجية تستهدف تحقيق التوازن أكثر من البحث عن اختراقات سريعة.
مع توليه منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، يواجه نبيل فهمي تحديات معقدة تتعلق بطبيعة اللحظة الإقليمية الراهنة، في ظل استمرار الأزمات في عدد من الملفات العربية، وعلى رأسها الحرب في غزة، والأوضاع في السودان، والتحولات الجارية في سوريا ولبنان، إلى جانب التحديات المرتبطة بإعادة تفعيل منظومة العمل العربي المشترك.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو خبرة فهمي الممتدة، وقدرته على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية والخبرة العملية، من بين أبرز العوامل التي يعول عليها في قيادة الجامعة العربية خلال المرحلة المقبلة.


