مصر «تستعين بتجارب 6 دول لصياغة استراتيجيتها الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي
تستعين مصر بخبرات وتجارب ست دول، هي الصين والإمارات العربية المتحدة والبرازيل والمملكة العربية السعودية وتركيا وكوريا الجنوبية، في صياغة الاستراتيجية الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي، من خلال دراسة نماذجها في تطوير القدرات التكنولوجية، وبناء منظومات الابتكار، وتنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي، وتنمية المهارات، وتوفير البنية التحتية والبيانات اللازمة لتطوير هذه التكنولوجيا
وتعتمد عملية اختيار الدول المرجعية على ثلاثة معايير رئيسية، أولها تعزيز القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي، من خلال اختيار دول لديها استراتيجيات ذات صلة ومعترف بها في المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي، وثانيها التغطية الإقليمية للعالم العربي، بما يشمل الدول ذات السمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتقاربة، وثالثها مؤشر الابتكار، لضمان وجود دولة مرجعية واحدة على الأقل لكل منطقة، مع اختيار الدولة الأعلى تصنيفا في المؤشر العالمي للابتكار.
وتجري دراسة التجارب المرجعية وفق محاور إطار تقييم القدرات، التي تشمل الحوكمة والتكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية والنظام البيئي والمهارات، بالاستناد إلى ترتيب الدول في المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي الصادر عن شركة تورتويز ميديا لعام 2024.
وتتناول هذه المحاور مدى توافر السياسات واللوائح التنظيمية الوطنية والمبادئ التوجيهية الأخلاقية وأطر الحوكمة اللازمة لضمان التطوير الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي، إلى جانب مستوى التقدم في تطوير النماذج والخوارزميات المبتكرة والاستفادة من التقنيات الحديثة، مثل التعلم العميق في مختلف مجالات التطبيق.
كما تشمل الدراسة جودة البيانات ومدى توافرها ودقتها واكتمالها وتمثيلها، فضلا عن إتاحة البنية التحتية للحوسبة المتقدمة والاتصالات عالية السرعة ومراكز البيانات والخدمات السحابية، بما يدعم تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي ونشرها.
ويمتد التقييم إلى نضج النظام البيئي للذكاء الاصطناعي، بما يشمل توافر المهارات والقدرات البحثية ونشاط الصناعة والتمويل والتعاون بين الأطراف المعنية، إلى جانب جودة التعليم في هذا المجال وتنوع قاعدة المهارات وارتفاع مستوى الثقافة الرقمية بين السكان
وتبرز التجربة البرازيلية في دعم الابتكار من خلال هيئة تمويل الدراسات والمشروعات (FINEP)، التابعة لوزارة العلوم والتكنولوجيا والابتكار، التي توفر الموارد المالية وأطر السياسات ومنصات التعاون لدعم صناعة الابتكار
كما لعب مركز الذكاء الاصطناعي دورا محوريا في إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص، وأنشأت البرازيل ثمانية مراكز بحثية متخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعية بقطاعات رئيسية، تشمل الزراعة والتصنيع والدفاع والتعليم والأمن السيبراني والمدن الذكية والرعاية الصحية.
واستفادت البرازيل كذلك من تجارب المملكة المتحدة وإستونيا في دمج البيانات الحكومية، بهدف تطوير منظومة أكثر تكاملا لإدارة البيانات والاستفادة منها.
وتستند التجربة الصينية إلى إقامة شراكات بين حكومات البلديات والمقاطعات والمؤسسات البحثية والشركات التكنولوجية في مختلف القطاعات، بهدف إنشاء أنظمة ابتكار محلية في مجال الذكاء الاصطناعي وتسريع أنشطة البحث والتطوير.
وتشير الدراسة إلى أن الصين تخصص أعلى إنفاق حكومي لتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، إلى جانب نجاحها في دمج البنية التحتية على المستوى الوطني لمواكبة التحول الرقمي، وتبني سياسات داعمة لهذا المجال، من بينها مبادرة معالجة بيانات الشرق في الغرب.
وفي مجال تنمية المهارات، تعتمد الصين على مدخلات الهيئات الصناعية والأوساط الأكاديمية لتطوير الكفاءات، ومن أمثلة ذلك نموذج التدريب المتقدم (AI+).
تبرز كوريا الجنوبية من خلال إطارها التشريعي الداعم للابتكار، إذ يسمح قانون الذكاء الاصطناعي فيها للأفراد بتطوير تقنيات جديدة في هذا المجال دون الحاجة إلى موافقة مسبقة من الحكومة، باعتباره مبدأ عاما لتنظيم النشاط الابتكاري.
كما تمتلك البلاد خارطة طريق لتطوير الذكاء الاصطناعي داخل منظومة الشركات، مع تخصيص الاستثمارات وتوجيه التكنولوجيا، إلى جانب سوق متقدمة لرأس المال المخاطر.
ووفقا للدراسة، تمكنت 376 شركة قابلة للتوسع، تمثل 25% من إجمالي الشركات، من جمع تمويلات بقيمة 12.5 مليار دولار، بما يسهم في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي العميقة.
وتعتمد المملكة العربية السعودية على الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي "سدايا" في إدارة الأجندة الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، فيما يتولى مكتب إدارة البيانات الوطنية وضع الأطر التنظيمية للبيانات مفتوحة المصدر.
وتشير الدراسة إلى مشروع نيوم باعتباره نموذجا يستهدف توفير بيئة متقدمة للاستخدام الإبداعي للبيانات والذكاء الاصطناعي، كما تتناول مشروع الملكية الفكرية الجديد الذي يعد من أوائل القوانين في منطقة الشرق الأوسط التي تشمل الملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.
وتشمل التجربة السعودية أيضا التعاون الدولي لتطوير الاقتصاد الرقمي، من خلال الشراكات على مستويات الحكومة والشركات والأفراد.
وفي تركيا، تبرز استثمارات رأس المال المخاطر في الشركات الناشئة، التي تتجاوز، وفقا للدراسة، مستويات الاستثمار في شركات دول أخرى بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كما يتيح معهد الذكاء الاصطناعي للباحثين التعامل مع حالات تجارية فعلية، بما يسهل نقل المعرفة من الأبحاث إلى التطبيقات والمنتجات القابلة للتسويق، إلى جانب العمل على مشروعات القاموس الوطني للبيانات لجمع البيانات غير المنظمة وتحويلها إلى بيانات منظمة.
وتعتمد التجربة الإماراتية على دور وزارة الدولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بعد في صياغة السياسات والاستراتيجيات واللوائح المنظمة لهذه المجالات.
وفي مجال تطوير النماذج، أطلق معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي نموذج الذكاء الاصطناعي "فالكون" بسعة 40 مليار معامل، في خطوة تعكس انتقال الأبحاث الأكاديمية إلى تطوير منتجات تكنولوجية.
كما تستند الإمارات إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية للشبكات، وتصدرت الدول العربية في إطلاق شبكات الجيل الخامس، واحتلت المرتبة الرابعة عالميا، مع وصول نسبة التغطية إلى 80% في المدن الرئيسية، وفقا لما أوردته الدراسة.
وتشير التجربة الإماراتية كذلك إلى أهمية البيئة التجارية الفعالة والتعاون الدولي في تنمية المهارات، باعتبارهما من العوامل الداعمة لنضج النظام البيئي للذكاء الاصطناعي.
وتنطلق الاستراتيجية الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي من إدراك الحكومة المصرية لأهمية هذه التكنولوجيا في تعزيز المعرفة البشرية والقدرات التقنية وتسريع التحول الرقمي، باعتبارها عوامل أساسية لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وتعد الفرص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي للاقتصاد، وقدرته على تسريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية، من العوامل الدافعة لإعداد الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية، ووضعه ضمن أولويات أجندة قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
وتركز الاستراتيجية على تنمية المهارات ورفع القدرة التنافسية لمصر في هذا المجال، بما يساعد على الاستفادة من التقنيات الناشئة ومواكبة التغير السريع في طبيعة الوظائف المطلوبة داخل الاقتصاد المعتمد على الذكاء الاصطناعي، إلى جانب دعم صناعة الذكاء الاصطناعي الناشئة وتهيئتها للمنافسة الدولية.
وتندرج جهود مصر في هذا المجال ضمن مساعي بناء مصر الرقمية، والاستفادة من مقومات نجاح منظومة التحول الرقمي، من خلال أربعة مسارات رئيسية، تشمل الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتنمية الموارد البشرية وتحسين جودة حياة المواطنين، ودعم الابتكار الرقمي عبر مراكز إبداع مصر الرقمية، إلى جانب تطوير الإطار التنظيمي.
وتعكس هذه المحاور توجه الاستراتيجية إلى الاستفادة من الخبرات الدولية في بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي، مع تكييف التجارب المرجعية بما يتناسب مع احتياجات مصر وأولوياتها الاقتصادية والتكنولوجية.


.jpg)